محمد حسين علي الصغير

111

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

وهو استخراج دقيق فيما أحسب ، إذ كما يتلاشى هذا الجهد الضائع الذي تبذله العنكبوت وهي تتخذ لها بيتا ليست له مقومات البيوت في الوقاية ، ولا إحكامها في العمارة ، فكذلك جهدهم بعبادتهم الواهنة ، ولما كان أوهن البيوت هو بيت العنكبوت ، فقد ثبت أن دينهم المخالف لعقيدة التوحيد هو أوهن الأديان وأعجزها ، فعلق حمل الآية مجازا على قضية منطقية قياسية ذات طرفين صغروي وكبروي . ومن ثم كانت النتيجة : أن أوهن الأديان هو دينهم « 1 » . 4 - وحين يريد المجاز القرآني تنبيه العقول ، وتوجه المشاعر نحو الحدث بالذات ، فإنه يشير إليه وحده ليثير الانتباه حوله ، فيضفي صفة الفاعلية على غير الفاعل حينا ، وسمة الإرادة على غير المريد حينا آخر ، ويضيف ضجيج الحركة على غير المتحرك ، فتقف خاشعا أمام الأسلوب القرآني وهو يستعمل صيغة الفاعل ويريد بها المفعول ، وهو نوع من المجاز العقلي في علاقاته ووجوهه البيانية ، ويتجلى ذلك في قوله تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ 6 تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ 7 قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ 8 أَبْصارُها خاشِعَةٌ 9 يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ 10 أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً 11 قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ 12 فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ 13 فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ 14 « 2 » . فأنت أمام هذه الألفاظ : الراجفة ، الرادفة ، الحافرة ، الخاسرة ، الساهرة ، وكلها بصيغة الفاعل مع أن الأصل أن تكون الأرض مرجفة لا راجفة ، وأن التابعة مردّفة لا رادفة ، وأن حفرة القبر محفورة لا حافرة ، وأن الكرة خسر أصحابها ، وأن الساهرة سهر أربابها ، وعدول القرآن عن هذا الأصيل بمثل هذا الاطراد ظاهرة أسلوبية لا يهون إغفالها ، قد يكون المراد وهي تتكرر في القرآن لفت النظر نحو الحدث بما له من طواعية وتلقائية مستغنيا فيه عن ذكر المحدث وهو اللّه تعالى ، فالأرض راجفة وهي مرجوفة ، والرادفة التابعة وهي مردوفة ، وهكذا القول بالنسبة للحافرة والخاسرة والساهرة ، فهنا طواعية تتمثل في أن ترجف الأرض ذاتها ، وهنا

--> ( 1 ) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 158 . ( 2 ) النازعات : 6 - 14 .